فصل: أقوال الفقهاء في حد الذمي المحصن:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير آيات الأحكام



.أدلة الخوارج والرد عليها:

استدل الخوارج على أنّ الرجم غير مشروع بثلاثة أدلة:
الأول: أن الله تعالى قال في حق الإماء: {فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ} [النساء: 25] فجعل حد الإماء نصف حد المحصنات من الحرائر. والرجم لا يتنصّف، فلا يصحّ أن يكون حدّا للمحصنات من الحرائر.
والثاني: أن الله تعالى فصّل أحكام الزنى وأطنب فيها بما لم يطنب في غيرها، والرجم أقصى العقوبات وأشدها، فلو كان مشروعا كان أولى بالذكر.
والثالث: أن قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ} يقتضي وجوب الجلد وعمومه لكل الزناة. وإيجاب الرجم على بعضهم يقتضي تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، وهو غير جائز على مذهبهم.
وأجاب الجمهور على الأول بأن المراد من المحصنات في قوله تعالى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ} الحرائر. والحرائر نوعان: ثيبات وأبكار، وحد النوعين على التوزيع الرجم وجلد مئة، ولما كان الرجم لا يتنصّف كان العذاب مخصوصا بغير الرجم للدليل العقلي، وكان الرجم غير مشروع في حق الأرقاء. وتقدّم لك شيء من هذا في تفسير قوله تعالى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ} في سورة النساء.
وعن الثاني بأن الأحكام الشرعية كانت تنزل بحسب تجدّد المصالح فلعل المصلحة التي اقتضت وجوب الرجم حدثت بعد نزول هذه الآيات، وكفى بالسنة ووظيفتها البيان والتكميل- بيانا وتفصيلا.
وعن الثالث بأنّ تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد جائز عندنا، لأنّ اللفظ العام في القرآن الكريم وإن كان قطعيا في متنه ظني في دلالته، فأمكن تخصيصه بالدليل المظنون، وإن سلمنا أنّ خبر الآحاد لا يخصص القرآن فلا نسلم أنّ الرجم ثبت بطريق الآحاد، بل هو ثابت بالتواتر. رواه أبو بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم وجابر وأبو سعيد الخدري وبريدة الأسلمي وزيد بن خالد في آخرين من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين فهو على الأقل متواتر المعنى كشجاعة علي وجود حاتم.
والآحاد إنما هي في تفاصيل صوره وخصوصياته. والخوارج كسائر المسلمين يوجبون العمل بالمتواتر معنى كالمتواتر لفظا إلا أن انحرافهم عن الصحابة، وتركهم التردد إلى علماء المسلمين والرواة منهم أوقعهم في جهالات كثيرة.
ولقد عابوا على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه القول بالرجم، وقالوا: ليس في كتاب الله تعالى فألزمهم بأعداد الركعات ومقادير الزكوات فقالوا: ذلك من فعله صلّى الله عليه وسلّم وفعل المسلمين. فقال: وهذا أيضا كذلك.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ألهم أمر هؤلاء الخوارج، فقد روي عن ابن عباس أنّه قال: سمعت عمر رضي الله عنه يخطب ويقول: إن الله بعث محمدا صلّى الله عليه وسلّم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها ووعيناها، ورجم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ورجمنا بعده، وأخشى إن طال بالناس زمن أن يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله تعالى فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى في كتابه، فإنّ الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال أو النساء، قامت البينة أو كان حمل أو اعتراف، والله لولا أن يقول الناس زاد في كتاب الله تعالى لكتبتها. أخرجه الستة.
وروى الزهري بإسناده عن ابن عباس أن عمر قال: قد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله تعالى فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى، وقد قرأنا الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، فرجم النبي صلّى الله عليه وسلّم ورجمنا بعده.

.دليل الظاهرية والرد عليهم:

استدل أهل الظاهر على وجوب الجلد والرجم في حد المحصن بالعموم في الآية مع ما رواه أبو داود عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه من قوله صلّى الله عليه وسلّم: «والثيب بالثيب جلد مئة ورمي بالحجارة».
وفي رواية غيره «ورجم بالحجارة».
وما رواه البخاري وغيره عن علي كرم الله وجهه من قوله حين جلد شراحة ثم رجمها: جلدتها بكتاب الله تعالى ورجمتها بسنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
وأجاب الجمهور بأن الآية مخصوصة وخبر أبي داود متروك العمل بما رواه الستة عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي الله عنهما أن أعرابيا أتى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله أنشدك بالله إلا قضيت لي بكتاب الله تعالى، فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه: نعم فاقض بيننا بكتاب الله تعالى وائذن لي.
فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «قل».
فقال: إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته، وإني أخبرت أنّ على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أنّ على ابني جلد مائة وتغريب عام، وإن على امرأة هذا الرجم. فقال: «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله تعالى، الوليدة والغنم ردّ عليك، وعلى ابنك جلد مئة وتغريب عام، واغد يا أنيس- لرجل من أسلم- إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها»، فغدا عليها فاعترفت فأمر بها النبي صلّى الله عليه وسلّم فرجمت. فقد دل هذا الحديث على أنّ الرجم هو تمام الحد على المحصن، ولو وجب الجلد إذ ذاك لذكره النبي صلّى الله عليه وسلّم.
وإنّ قصة ما عز رويت من جهات مختلفة وليس فيها ذكر الجلد مع الرجم، وكذا قصة الغامدية.
وقد تكرر الرجم في زمانه صلّى الله عليه وسلّم ولم يرو أحد أنه جمع بينه وبين الجلد، فقطعنا بأنّ حد المحصن لم يكن إلا الرجم.
وأما جلد علي كرم الله وجهه شراحة، ثم رجمه إياها فهو رأي له لا يقاوم ما ذكر من القطع عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكذلك لا يقاوم إجماع غيره من الصحابة رضوان الله عنهم. ولعل عمله هذا محمول على مثل ما رواه أبو داود عن جابر رضي الله عنه قال: أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم برجل زنى فجلد الحد، ثم أخبر أنّه محصن فأمر به فرجم.
وأيضا فإنّ المعنى المعقول يأبى اجتماع الجلد مع الرجم، لأن الجلد حينئذ يعرى عن المقصود الذي شرع الحد لأجله، وهو الانزجار أو قصده إذ كان القتل لا حقا له.
وللشافعية قاعدة في مثل هذا وهي أن الفعل إذا كان له جهتا عموم وخصوص، وكان لكل من جهتيه حكم فإنّه إذا أوجب أعظم الأمرين بجهة خصوصه لا يوجب أدونهما بجهة عمومه: مثاله خروج المني من القبل لمّا أوجب أعظم الأمرين وهو الغسل بخصوص كونه خروج مني لم يوجب أدونهما وهو الوضوء بعموم كونه خارجا، كذلك زنى المحصن لما أوجب أعظم الحدين وهو الرجم بخصوص كونه زنى محصن لم يوجب أدونهما وهو الجلد بعموم كونه زنى.

.أقوال الفقهاء في النفي:

علمت أن الحنفية يقولون: إنّ النفي ليس من الحد في شيء، وإنه مفوّض إلى رأي الإمام، وحجتهم في ذلك ظاهر الآية الكريمة، فإنها اقتصرت في مقام البيان على مئة جلدة، فلو كان النفي مشروعا لكان ذلك نسخا للكتاب، وجميع ما روي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في النفي لم يخرج عن كونه من أخبار الآحاد، وأخبار الآحاد لا تقوى على نسخ الكتاب، ولو كان النفي حدّا مع الجلد لكان من النبي صلّى الله عليه وسلّم توقيف للصحابة، لئلا يعتقدوا عند سماع التلاوة أنّ الجلد هو جميع الحد، ولوجب أن يكون وروده في وزن ورود نقل الآية وشهرتها. فلما لم يكن خبر النفي بهذه المنزلة، بل كان وروده من طريق الآحاد ثبت أنه ليس بحد.
وقد روى الستة غير النسائي عن أبي هريرة وزيد بن خالد رضي الله عنهما قالا: سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن الأمة إذا زنت ولم تحصن فقال: «إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير».
قال مالك: الضفير الحبل، وفي رواية: «فليجلدها ولا تثريب عليها».
فظاهر الحديث أنّ الجلد هو تمام الحد، ولو كان النفي من الحد لذكره النبي صلّى الله عليه وسلّم.
وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه غرّب ربيعة بن أمية بن خلف في الخمر إلى خيبر، فلحق بهر قل فقال عمر: لا أغرب بعدها أحدا ولم يستثن الزنى.
وروي عن علي كرّم الله وجهه أنه قال في البكرين إذا زنيا: إنهما يجلدان ولا ينفيان، وإنّ نفيهما من الفتنة.
فإذا كانت الأخبار المثبتة للنفي معارضة بما سمعت، وهي بعد لم تخرج عن كونها أخبار آحاد، فليس بجائز أن نزيد في حكم الآية بهذه الأخبار، لأنّه يوجب النسخ على ما سمعت، لاسيما مع إمكان استعمالها على وجه لا يوجب النسخ في الآية، ولا يدفع حكم الأخبار، وذلك بإبقاء الآية على حكمها، وأن الجلد هو تمام الحد، وجعل النفي على وجه التعزيز، ويكون النبي صلّى الله عليه وسلّم قد رأى في ذلك الوقت نفي البكر لأنهم كانوا حديثي عهد بالجاهلية، فرأى ردعهم بالنفي بعد الجلد، كما أمر بشق روايا الخمر، وكسر الأواني، لأنّه أبلغ في الزجر، وأحرى بقطع العادة.
والقائلون بأن النفي من تمام الحد احتجوا بحديث عبادة بن الصامت وقد تقدم، وفيه تنصيص على أن النفي من الحد، وقد ورد مثله في قصة العسيف، وتكرّر ذكر النفي فيها على أنّه من الحد، ولا مانع من الزيادة على حكم الآية بخبر الآحاد.
على أنّه ليس ذلك زيادة في حكم الآية، فإنّ إيجاب الجلد المفهوم من الآية مشترك بين إيجاب الجلد مع التغريب، وإيجابه مع نفي التغريب، ولا إشعار في الآية بأحد القسمين، إلا أن عدم التغريب للبراءة الأصلية، فإيجابه بخبر الواحد لا يدفع حكم الآية، ولا يزيل إلا محض البراءة الأصلية.
والحاصل أنّ القائلين بالنفي يجعلون الجلد في الآية من قبيل الماهية بلا شرط شيء، والقائلين بعدم النفي يجعلون الجلد في الآية من قبيل الماهية بشرط لا شيء.

.أقوال الفقهاء في حد الذمي المحصن:

ترى الحنفية أنّ حدّ الذمي المحصن هو الجلد لا الرجم، واحتجوا على ذلك بأمور:
1- منها ما رواه إسحاق بن راهويه بسنده عن ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من أشرك بالله فليس بمحصن».
ووجه الدلالة فيه أن الإحصان هنا ظاهر في إحصان الرجم، فيكون هذا الحديث معارضا لما ثبت من فعله صلّى الله عليه وسلّم، من رجم اليهوديين، وليس تاريخ يعرف به تقدم أحدهما على الآخر، فنرجع إلى الترجيح، والترجيح معنا، إذ المعلوم أنه إذا تعارض القول والفعل، ولم يعلم المتقدم من المتأخر، يقدّم القول على الفعل، ولأنّ هذا القول موجب لدرء الحد، والفعل يوجب استيفاءه، والأولى في الحدود ترجيح الرافع عند التعارض، لأنّ الحدود تدرأ بالشبهات، ورجم الذمي حدّ تمكنت فيه الشبهة، فيجب درؤه.
2- وإن النعمة في حق المسلم أعظم، فكانت جنايته أغلظ، كقوله تعالى في أمهات المؤمنين: {يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ} [الأحزاب: 30].
3- وإن إحصان القذف يعتبر فيه الإسلام بالإجماع، فكذا إحصان الرجم، والجامع كمال النعمة.
ويرى الشافعية أنّ حد الذمي المحصن الرجم، وحجتهم في ذلك عموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا قبلوا الجزية فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين».
وما ثبت في الصحيحين من أنه النبي صلّى الله عليه وسلّم رجم يهوديين زنيا، فإن كان ذلك منه صلّى الله عليه وسلّم حكما بشرعه فهو ظاهر، وإن كان حكما بشرع من قبله فقد صار شرعا له، وأيضا فإنّ زنى الكافر مثل زنى المسلم في الحاجة إلى الزاجر.
ثم أجابوا عن أدلة الحنفية فقالوا في الحديث: إنه مضطرب، قال فيه إسحاق: قد رفع هذا الخبر مرة ووقف على ابن عمر مرة أخرى، ورواه الدارقطني في سننه وقال: لم يرفعه غير إسحاق بن راهويه، ويقال: إنه رجع عنه، والصواب تفسير الإحصان في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «من أشرك بالله فليس بمحصن».
بالتزويج يجعل الحديث في ظاهره مصادما للواقع، فينبغي أن يكون المراد بالمحصن فيه المحصن الذي يقتصّ له من المسلم، فيكون الذمي الثيب محصنا إحصان الرجم، فثبت رجمه لعموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «وزنى بعد إحصان».
وأجابوا عن قول الحنفية: أن النعمة في حق المسلم أعظم إلخ بأنه معارض بأن الإسلام من كسب العبد، وزيادة الخدمة إن لم تكن سببا في تخفيف العقوبة فلا أقل من ألا تكون سببا في زيادتها.
وأجابوا عن القياس على حد القذف بأن حد القذف ثبت لرفع العار كرامة للمقذوف، والكافر لا يكون محلا للكرامة، وصيانة العرض.